عبد الرحمن بدوي

تصدير 1

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

تصدير عام الآن وقد قدّمنا لأرسطو عند العرب صورة شبه تامّة ، ألّفناها من آثاره الصحيحة الباقية في ترجمتها العربية القديمة ، فقد حقّ علينا أن نقدّم الصورة الأخرى المضادّة والتي كان لها من الخطورة بقدر ما كان للأولى ، ونعنى بها صورة الأفلاطونية المحدثة كما عرفها العرب في آثارها الأصلية وإن لم ينسبوها في الغالب إلى أصحابها الحقيقيين ، بل حسبوها هي أيضا من نتاج أرسطو ، فكانت غلطة سعيدة felixculpa لولاها - فيما نعتقد - لم تظفر بما ظفرت به من مكانة وعناية ، بل لأصبح مصيرها ذلك المصير البائس الذي لقيته مؤلفات أفلاطون الصحيحة على جلال قدرها ومساس رحمها بالروح العربية السحرية . أجل هو مصير بائس كلما فكرت فيه استبدّت بي الحيرة لأنه من ألغاز الفكر العربي . وها نحن أولاء نقدم في هذا المجلّد الأوّل طائفة من النصوص ، بعضها لأبرقلس والبعض الآخر منحول : منه ما نسب إلى أفلاطون ، ومنه ما نسب إلى هرمس ، ولكنه من وحى الأفلاطونية المحدثة . أما نصوص أبرقلس فقد نسب بعضها إليه صراحة وحقا ، والبعض الآخر نسب إلى أرسطو انتحالا وهو في الحقيقة لأبرقلس . ولما كان هدفنا الرئيسي في هذا المجلّد هو إحياء تراث « برقلس عند العرب » فقد عنينا بجمع كل ما تيسّر لنا العثور عليه حتى الآن من آثاره في العربية ، حتى يكون في متناول الباحث كل ما يتصل بهذا الفيلسوف اللاهوتي الوثني الغريب . - 1 - كتاب الإيضاح في الخير المحض وأول هذه الآثار كتاب « الإيضاح في الخير المحض » ؛ وله قصّة طويلة لا بدّ من تفصيل القول فيها ، وإن كنا سنرى في نهاية المطاف أنها قصّة لا أصل لها من الواقع التاريخي . بل نشأت عن خلط عند اللاتينيين ومنهم عند الباحثين في فلسفة العصور الوسطى ممن اعتمدوا خصوصا على أصول لاتينية ، دون الأصول العربية .